القاضي عبد الجبار الهمذاني

426

المغني في أبواب التوحيد والعدل

على أن من يكلف الأمور الشاقة من العبادات قد يستمر بفعلها إذا تصور الثواب الّذي يستحق عليها كما قد يشق عليه فعلها . فلم صارت بأن تكون عقوبة عندهم أولى من أن تكون ثوابا ؟ لأن عندهم أن ما أدى إلى السرور والنفع ، حاله « 1 » في أنه ثواب كحال ما يؤدى إلى ضرر وغم . وهذا يوجب بطلان قولهم إن ذلك لا يستحق إلا بالمعصية . لأنه ليس بأن يستحق بها لما فيها من المضرة بأولى من أن يستحق بالطاعة لما فيها من السرور . فإن قال : ألستم لا تعتدون بهذا السرور ، وتقولون إنه « 2 » يستحق به الثواب لأنه شاق ، فكذلك نقول . قيل لهم : إنا نجعل من صفة ما يستحق الثواب أن يكون شاقا وإن فات به السرور والنفع من وجه آخر ؛ لأن السرور عندنا بأداء العبادات لا يكون / لأمر يرجع إليها وإنما يكون لأمر يرجع إلى ثوابها ، ولذلك لا يسر الفاسق والكافر بأداء العبادة إذا علمناه أنه لا ثواب له عليها « 3 » . فإذا صح ذلك صار المسرور به غير شاق ، فلم يقدح فيما شرطه في التكليف . وليس كذلك مذهب القوم ، لأنهم يجعلون كل ما أدى إلى السرور في حكمه في أنه يكون عقابا ، فيلزمهم ما ألزمناهم . فإن قال : إنه تعالى يجوز أن يلزم الشاق لا عقوبة وإن كان لا يجوز أن يؤلم إلا عقوبة ، لأن الإلزام بخلاف الإيلام . ألا ترى أن أحدنا ينبه غيره على وجوب رد الوديعة وشكر النعمة وغير ذلك ، فيكون في حكم المؤلم له ، ويحسن ذلك منه من غير نفع ، ولا يحسن أن يؤلمه إلا لمنفعة . قيل له : إن أحدنا إذا نبه على الواجبات وذكر المكلف بها فيذكر ، فإنما يصير واجبا عليه بإيجابه تعالى ، لا بما فعله المنبه .

--> ( 1 ) في الأصل : فحاله . ( 2 ) أي التكليف . ( 3 ) في الأصل : لهما عليه .